ابن قيم الجوزية

400

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

واتباع الآباء من غير نور من اللّه تعالى . فظلمات : جمع ظلمة ، وهي ظلمة الجهل ، وظلمة الكفر ، وظلمة ظلم النفس بالتقليد واتباع الهوى ، وظلمة الشك والريب ، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث اللّه تعالى به رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم . والنور الذي أنزله معهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور . فالمعرض عما بعث اللّه به عبده ورسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من الهدى ودين الحق يتقلب في خمس ظلمات : قوله ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمة ، وقلبه مظلم ، ووجهه مظلم ، وكلامه مظلم ، وحاله مظلم ، وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث اللّه به محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من النور جدّ في الهرب منه ، وكاد نوره يخطف بصره . فهرب إلى ظلمات الآراء . التي هي به أنسب . كما قيل : خفافيش أعشاها النهار بضوئه * ووافقها قطع من الليل مظلم فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ، ونحاتة الأذهان ، جال وصال ، وأبدى وأعاد ، وقعقع وفرقع ، فإذا طلع نور الوحي ، وشمس الرسالة انجحر في جحرة الحشرات . قوله فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ « اللجى » العميق ، منسوب إلى لجة البحر . وهو معظمه . وقوله تعالى : يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ تصوير لحال هذا المعرض عن وحيه . فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر . وأنها أمواج بعضها فوق بعض . والضمير الأول في قوله « يغشاه » راجع إلى البحر . والضمير الثاني في قوله « من فوقه » عائد إلى الموج .